عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
257
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
عصور مختلفة ولا بد لهم اليوم من تقييد أو ابدها وشواردها والإشارة إلى مدلولاتها وحقائقها ومن ثم احياء هذا التراث الذي اعترف به مؤلفو الغرب في الحديث عن أطعمتهم وصناعة الطبخ عندهم فقالوا : « إن هذا الفن كالتمدن والحضارة الاسلامية قد جاءنا من المشرق » . لقد أدرك الخلفاء العباسيون أهمية فن الطبخ وصناعته ، وربما كانت تلك التآليف التي سردناها في هذه الصناعة بوحي من الخلفاء أنفسهم أو نزولا عند رغباتهم كما رأينا في كتاب « الطبيخ » الذي ألف للمعتصند وفي كتاب « المعزّي في الطبيخ » الذي ألفه صاحبه للمعز لدين اللّه الفاطمي ونسبه اليه . كما أننا نجد أن معظم هذه الكتب التي ألفت في الطبيخ تصف الألوان التي كانت تعد في مطابخ الخلفاء والأمراء وتقدم على موائدهم لما في تركيبها من مواد غذائية لا يمكن أن تتوفر بكمياتها وتنوعها في مطابخ الشعب عامة . انصراف الخلفاء إلى معالجة الطبيخ : ولأن الطعام هو من أكثر الأمور التي تتصل بحياة الانسان الشخصية فإن الخلفاء والأمراء انصرفوا في بعض الأحيان إلى اعداده بأنفسهم رغم ما كان لديهم من الطباخين البارعين في هذه الصناعة . فاتخذوه تسلية لملء أوقات فراغهم أو تعديلا لأمزجتهم ، واستمتاعا بملاذ المعالجة والتذوق لأطايب الطعام . وكثيرا ما كانوا يستمتعون بمعالجة الأطعمة في مجالسهم كما كانوا يستمتعون بمجالس المنادمة والشراب والطرب والغناء . وكانوا يتناظرون ويحكمون الخبراء والمختصين بهذه الصناعة من الندماء والطباخين وغيرهم لمعرفة الحاذق المبرز فيها من ذلك ما حكاه الشابشتي « 1 » في كلامه عن دير الشياطين وتردد عبادة اليه ، وكان عبّادة هذا مخنثا من أطيب الناس وأخفهم روحا . كان أبوه من طباخي المأمون وكان يرافقه فخرج حاذقا بفن الطبخ . ثم مات أبوه فتخنث وصار رأسا في العيارة والخلاعة . قال : الشابشتي : « جلس المأمون في بعض الأيام ، وأمر بأن تحضر اللحوم والحيوان وما يحتاج اليه من آلة الطبخ . وقال للندماء : ليطبخ كل منكم قدرا . وطبخ هو أيضا قدرا ، وطبخ أخوه أبو إسحاق
--> ( 1 ) كتاب الديارات للشابشتي : ص 80 - 81 .